عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
478
اللباب في علوم الكتاب
الجماعة ، فإذا كان هذا المنهزم منفردا ، وفي الكفار كثرة ، وغلب على ظنه أنه إن ثبت قتل من غير فائدة ، وإن انضمّ إلى جمع من المسلمين ليستعين بهم ويعودون إلى القتال ، فربّما وجب عليه التّحيّز إلى هذه الفئة فضلا عن أن يكون جائزا . والحاصل أن الانهزام من العدو حرام ، إلّا في هاتين الحالتين ، وهذا ليس بانهزام في الحقيقة ثمّ قال تعالى : وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلّا في هاتين الحالتين فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ في الآخرة جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [ الأنفال : 16 ] . فصل [ في أن حكم الآية عام في كل حرب ] قال أبو سعيد الخدري : هذا في أصحاب بدر خاصة ؛ لأنه ما كان يجوز لهم الانهزام ، لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان معهم ، ولم يكن فئة يتحيّزون إليها دون النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وقد وعده اللّه بالنّصر والظّفر فلم يكن لهم التحيّز إلى فئة أخرى . وأيضا فإنّ اللّه شدد الأمر على أهل بدر ؛ لأنه كان أول جهاد ، ولو اتفق للمسلمين انهزام فيه ، لزم منه الخلل العظيم . فلهذا وجب التشديد والمبالغة ، ومنع اللّه في ذلك اليوم من أخذ الفداء من الأسرى لهذا السّبب ، وهذا قول الحسن وقتادة والضحاك « 1 » . قال يزيد بن أبي حبيب : أوجب اللّه النار لمن فرّ يوم بدر ، فلمّا كان يوم أحد قال : إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ [ آل عمران : 155 ] . ثم كان يوم حنين بعده فقال : ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [ التوبة : 25 ] . ثم قال بعده ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ « 2 » [ التوبة : 26 ] . وقال عبد اللّه بن عمر : كنّا في جيش بعثنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحاص النّاس حيصة ،
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود ( 2648 ) والنسائي في الكبرى ( 6 / 350 ، 351 ) والطبري في تفسيره ( 6 / 200 ) والحاكم ( 2 / 327 ) من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد وقال الحاكم : صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ووافقه الذهبي . وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 314 ) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وأبي الشيخ وابن مردويه وهو قول الحسن . أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 201 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 314 ) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر والنحاس في ناسخه وأبي الشيخ . وقتادة . أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 201 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 314 ) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد . والضحاك . أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 201 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 314 ) وزاد نسبته إلى عبد الرزاق في « المصنف » وابن أبي شيبة . ( 2 ) أخرجه الطبري في « تفسيره » ( 6 / 201 ) وذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 3 / 315 ) وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن يزيد بن أبي حبيب .